فقال له أبو جهل: أتطوف بالكعبة آمناً وقد أوتيتم الصْباة؟ (يعني المسلمين) .
ومن ذلك مَا صنعوه يوم الحديبية.
وقد قيل: إنّ الآية نزلت في ذلك.
وأحسب أنّ الآية نزلت قبل ذلك سواء نزلت بمكة أم بالمدينة.
ووصف المسجد بقوله: {الذي جعلناه للناس} الآية للإيماء إلى علّة مؤاخذة المشركين بصدّهم عنه لأجل أنهم خالفوا ما أراد الله منه فإنه جعله للناس كلهم يستوي في أحقية التعبّد به العاكفُ فيه ، أي المستقرّ في المسجد ، والبادي ، أي البعيد عنه إذا دخله.
والمراد بالعاكف: الملازم له في أحوال كثيرة ، وهو كناية عن الساكن بمكة لأنّ الساكن بمكة يعكف كثيراً في المسجد الحرام ، بدليل مقابلته بالبادِي ، فأطلق العكوف في المسجد على سكنى مكة مجازاً بعلاقة اللزوم العرفي.
وفي ذكر العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم ، وبأنهم حين يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة.
وقرأ الجمهور {سواءٌ} بالرفع على أنه مبتدأ {والعاكف فيه} فاعل سدّ مسدّ الخبر ، والجملة مفعول ثان ل {جعلناه.} وقرأه حفص بالنصب على أنه المفعول الثاني ل جعلناه.
والعكوف: الملازمة.
والبادي: ساكن البادية.
وقوله سواء لم يبيّن الاستواء فيما ذا لظهور أنّ الاستواء فيه بصفة كونه مسجداً إنما هي في العبادة المقصودة منه ومن ملحقاته وهي: الطواف ، والسّعي ، ووقوف عرفة.
وكتب {والباد} في المصحف بدون ياء في آخره ، وقرأ ابن كثير {والبادِي} بإثبات الياء على القياس لأنه معرف ، والقياس إثبات ياء الاسم المنقوص إذا كان معرّفاً باللام ، ومحمل كتابته في المصحف بدون ياء عند أهل هذه القراءة أنّ الياء عوملت معاملة الحركات وألِفات أواسط الأسماء فلم يكتبوها.
وقرأه نافع بغير ياء في الوقف وأثبتها في الوصل.