وَلِهَذَا حَنَّ الْجِذْعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَبَّحَ الْحَصَى فِي كَفِّهِ وَكَفِّ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ بِمَكَّةَ حَجَرٌ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ ، وَكَانَتْ الصَّحَابَةُ تَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامَ بِبَرَكَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ كُلُّهُ هَيْئَةٌ ، وَلَا وُجِدَتْ لَهُ رُطُوبَةٌ وَلَا بَلَّةٌ ، وَعَلَى إنْكَارِ هَذِهِ الْمُعْجِزَاتِ وَإِبْطَالِ هَذِهِ الْآيَاتِ حَامَتْ بِمَا ابْتَدَعَتْهُ مِنْ الْمَقَالَاتِ ، فَيَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْخَالِقِ ظَاهِرَةٌ ، وَتَذْكِرَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْمُسَبِّحِينَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بَيِّنَةٌ.
وَهَذَا وَإِنْ سُمِّيَ تَسْبِيحًا فَذَلِكَ شَائِعٌ لُغَةً ، كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنْ لِسَانِ الْحَالِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ ، فَتَقُولُ: يَشْكُو إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى.
وَكَمَا قَالَتْ: قِفْ بِالدِّيَارِ فَقُلْ: يَا دِيَارُ مَنْ غَرَسَ أَشْجَارَك ، وَجَنَى ثِمَارَك ، وَأَجْرَى أَنْهَارَك ، فَإِنْ لَمْ تُجِبْك جُؤَارًا أَجَابَتْك اعْتِبَارًا ؛ وَكَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ عَنْ شَجَرَةٍ: رُبَّ رَكْبٍ قَدْ أَنَاخُوا حَوْلَنَا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ الزُّلَالِ سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمْ وَكَذَاك الدَّهْرُ حَالًا بَعْدَ حَالِ وَذَلِكَ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْبَدِيعِ فِي الْفَصَاحَةِ ، وَالْغَايَةِ فِي الْبَلَاغَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ تَسْبِيحَ الْبَرْقِ لَمَعَانُهُ ، وَالرَّعْدِ هَدِيرُهُ ، وَالْمَاءِ خَرِيرُهُ ، وَالْبَابِ صَرِيرُهُ ، فَنَوْعٌ مِنْ الدَّلَالَةِ ، وَوَجْهٌ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِالْمَجَازِ ظَاهِرٌ.