وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي: الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: {إنَّك لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} : يَعْنِي لَنْ تَتَوَلَّجَ بَاطِنَهَا ، فَتَعْلَمَ مَا فِيهَا ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: يُرِيدُ لَنْ تُسَاوِيَ الْجِبَالَ بِطَوْلِك ، وَلَا بِطُولِك ، وَإِنَّمَا تَسْتَقْبِلُ مَا أَمَامَك ؛ وَأَيُّ فَضْلٍ لَك فِي ذَلِكَ ؟ وَالْمُسَاوَاةُ فِيهِ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ الْخَلْقِ.
وَيُرْوَى أَنَّ سَبَأً دَوَّخَ الْأَرْضَ بِأَجْنَادِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا ، سَهْلًا وَجَبَلًا ، وَقَتَلَ وَأَسَرَ وَبِهِ سُمِّيَ سَبَأٌ وَدَانَ لَهُ الْخَلْقُ ، فَلَمَّا
قَالَ ذَلِكَ انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: إنِّي لَمَّا نِلْت مَا لَمْ يَنَلْ أَحَدٌ رَأَيْت الِابْتِدَاءَ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ ؛ فَلَمْ أَرَ أَوْقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ إذَا أَشْرَقَتْ ، فَسَجَدُوا لَهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ عِبَادَةِ الشَّمْسِ ، فَهَذِهِ عَاقِبَةُ الْخُيَلَاءِ وَالتَّكَبُّرِ وَالْمَرَحِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّك مَكْرُوهًا} : قُرِئَ {سَيِّئُهُ} بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَبِالْهَاءِ ، وَبِنَصَبِ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ ، فَمَنْ قَرَأَهُ بِرَفْعِ الْهَمْزَةِ وَالْهَاءِ أَرَادَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ فِيهِ حُسْنٌ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَفِيهِ سَيِّئٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَرَجَعَ الْوَصْفُ بِالسُّوءِ إلَى السِّيءِ مِنْهُ.
وَمَنْ قَرَأَهُ بِالْهَمْزَةِ الْمَنْصُوبَةِ وَالتَّاءِ رَجَعَ إلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْهَا ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْأَوَّلَ.