وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَخْرُجُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتَ تَقُولُهَا وَكَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَبْلَك.
قُلْنَا: نَعَمْ ؛ نَحْنُ نَقُولُ ذَلِكَ فِي تَفْرِيعِ مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْتِزَامِ الْمَذْهَبِ بِالتَّخْرِيجِ ، لَا عَلَى أَنَّهَا فَتْوَى نَازِلَةٌ تَعْمَلُ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ ، حَتَّى إذَا جَاءَ سَائِلٌ عُرِضَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الدَّلِيلِ الْأَصْلِيِّ ؛ لَا عَلَى التَّخْرِيجِ الْمَذْهَبِيِّ ، وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَهُ الْجَوَابُ كَذَا فَاعْمَلْ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُ النَّاسِ: هَلْ الْحَوْضُ قَبْلَ الْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ أَوْ الْمِيزَانُ قَبْلَهُمَا أَمْ الْحَوْضُ ؟ فَهَذَا قَفْوُ مَا لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ ، وَلَا بِنَظَرِ السَّمْعِ ، وَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ ، فَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَمِثْلُهُ: كَيْفَ كِفَّةُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؟ كَيْفَ يُعْطَى كِتَابَهُ ؟.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ} : يُسْأَلُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَيُسْأَلُ الْفُؤَادُ عَمَّا افْتَكَرَ وَاعْتَقَدَ ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ عَمَّا رَأَى مِنْ ذَلِكَ أَوْ سَمِعَ ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُنْكِرُ ، فَتَنْطِقُ عَلَيْهِ جَوَارِحُهُ ، فَإِذَا شَهِدَتْ اسْتَوْجَبَتْ الْخُلُودَ الدَّائِمَ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ أَمْرٌ صَحِيحٌ ، فَهُوَ مِثَالٌ رَابِعٌ مِنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي رِسَالَةِ تَقْوِيمِ الْفَتْوَى عَلَى أَهْلِ الدَّعْوَى.