وَقَدْ تَكُونُ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّجْرِبَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِ الْوَجْهَيْنِ ؛ فَإِنَّ الْأَشُدَّ هَاهُنَا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً ، وَجَاءَ بَيَانُ الْيَتِيمِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُقَيَّدًا قَالَ تَعَالَى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاَللَّهِ حَسِيبًا} فَجَمَعَ بَيْنَ قُوَّةِ الْبَدَنِ بِبُلُوغِ النِّكَاحِ ، وَبَيْنَ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِإِينَاسِ الرُّشْدِ ، وَعَضَّدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَوْ اقْتَضَتْ الْآيَةُ تَمْكِينَ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ لَهُ وَبَعْدَ حُصُولِ قُوَّةِ الْبَدَنِ لَأَذْهَبَهُ فِي شَهَوَاتِهِ ، وَبَقِيَ صُعْلُوكًا لَا مَالَ لَهُ.
وَخَصَّ
الْيَتِيمَ بِهَذَا الشَّرْطِ فِي هَذَا الذِّكْرِ لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهُ ، وَافْتِقَادِ الْآبَاءِ لِبَنِيهِمْ ، فَكَانَ الْإِهْمَالُ لِفَقِيدِ الْأَبِ أَوْلَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} يَعْنِي مَسْئُولًا عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْعَهْدِ فِي مَوَاضِعَ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إذَا كِلْتُمْ} يُرِيدُ أَعْطُوهُ بِالْوَفَاءِ ، وَهُوَ التَّمَامُ ، لَا بَخْسَ فِيهِ ، بِالْقِسْطِ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} يَعْنِي الْمِيزَانَ الْعَدْلَ.