قد يشدد الفرد على نفسه، ويأخذ بأشد الآراء تزمتاً واحتياطاً، فيحرم على نفسه اللهو والغناء والموسيقى، والتصوير كله، حتى الفوتوغرافي والتليفزيوني، ونحو ذلك، ولكن هل تستطيع دولة معاصرة أن تقوم على ذلك؟ وهل تقوم صحافة مقروءة لها وزنها في عالم اليوم بغير التصوير؟ وهل تستغني وزارات الداخلية وإدارات الهجرة والجوازات وتحقيق الشخصية، والمرور، والمدارس والجامعات وغيرها عن الصور والتصوير اليوم، وقد أصبح وسيلة هامة لمنع التزوير وضبط المزورين؟
وهل تستطيع دولة اليوم أن تتجاهل عصرها، وتحرم شعبها من هذا الجهاز العجيب الذي يضع أحداث العالم كله بين يديك، تشاهدها كأنك تعايش أصاحبها في الشرق والغرب، وأنت على مقعدك أو في سريرك، لم تتحرك يمنة ولا يسرة؟ هل يسع دولة مسلمة معاصرة أن تكتفي بالإذاعة، وترفض"التلفزة"لأنها تقوم على"التصوير"وهو حرام، كما يرى بعض إخواننا من طلبة العلم الديني إلى اليوم؟
والذي أؤكده هنا: أن تشديد المرء على نفسه في سلوكه الشخصي يمكن أن يحتمل، وأن يقبل، ولكن الذي لا يحتمل ولا يقبل أن يفرض هذا على المجتمع كله، بجميع فئاته، وتنوع مستوياته، وعلينا هنا أن نتمسك بالتوجيه النبوي الكريم:"من أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف، والمريض وذا الحاجة"وهذا وإن ورد في إمامة الصلاة، فإنه بفحواه دليل هاد لمن قاد النّاس في أي جانب من جوانب الحياة.
الفقه في مراتب الأحكام وأدب الخلاف
ومن الفقه الذي يغفل عنه بعض المتدينين: معرفة مراتب الأحكام الشرعية، وأنها ليست في درجة واحدة من حيث ثبوتها، وبالتالي من حيث جواز الاختلاف فيها.
فهناك الأحكام الظنية التي هي مجال الاجتهاد، وتقبل تعدد الأفهام والتفسيرات، سواء كانت أحكاماً فيما لا نص فيه أو فيما فيه نص ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، أو ظنيهما معاً، وهذا شأن معظم الأحكام المتعلقة بالعمل، كأحكام الفقه، فهذه يكفي فيها الظن، بخلاف الأحكام المتعلقة بالعقيدة، التي لا يغني فيها إلاّ القطع واليقين.