والاختلاف في الأحكام الفرعية العملية والظنية، لا ضرر فيه ولا خطر منه، إذا كان مبنياً على اجتهاد شرعي صحيح، وهو رحمة بالأمة، ومرونة في الشريعة، وسعة في الفقه، وقد اختلف فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، فما ضرهم ذلك شيئاً، وما نال من أخوتهم ووحدتهم كثيراً ولا قليلاً.
وهناك الأحكام التي ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع، ووصلت إلى درجة القطع، وإن لم تصبح من ضروريات الدين، فهذه تمثل الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة، ومن خالفها خالف السنة، ووصف بالفسق والبدعة، وقد ينتهي به الأمر إلى درجة الكفر.
وهناك الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يستوي في العلم بها الخاص والعام، وهي التي يكفر من أنكرها بغير خلاف، لما في إنكارها من تكذيب صريح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
فلا يجوز إذن أن توضع الأحكام كلها في إطار واحد، ودرجة واحدة، حتى يسارع بعض النّاس إلى إلصاق الكفر أو الفسوق أو البدعة بكل من عارض حكماً ما، لمجرد اشتهاره بين طلبة العلم، أو تداوله في الكتب، دون تمييز بين الأصول والفروع، ولا تفريق بين الثابت بالنص، والثابت بالاجتهاد، وبين القطعي والظني في النصوص، وبين الضروري وغير الضروري في الدين، فلكل منها منزلته، وله حكمه.
إن فقهاءنا الكبار قد اختلفوا أحياناً في بعض المسائل اختلافاً قد يتجاوز الآحاد إلى العشرات من الأقوال، وقد تجد في المسألة الواحدة كل الأقوال التي تقتضيها القسمة العقلية، كأقوالهم فيمن قتل مسلماً معصوم الدم تحت تأثير الإكراه: هل يجب القصاص على المكره الذي باشر القتل؟ أم على المكره الذي أجبره وهدده، لأن المتسبب القاتل لم يكن إلاّ مجرد آلة له؟ أم عليهما معاً .. هذا بمباشرته وذلك بإكراهه وإجباره؟ أم ليس على واحد منهما القصاص، لأن جريمة القتل لم تكتمل لدى كل منهما؟ بكل هذه الاحتمالات قال بعض الفقهاء، ولكل وجهته وتعليله.
بل في داخل المذهب الواحد من المذاهب المتبوعة نجد العديد من الأقوال، أو الروايات، أو الوجوه، أو الطرق، واختلاف التصحيحات والترجيحات فيما بينها لدى علماء المذهب.