قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"الذَّلُولُ الَّذِي يُقَادُ وَيُذْهَبُ بِهِ حَيْثُ أَرَادَ صَاحِبُهُ، قَالَ: فَهُمْ يَخْرُجُونَ بِالنَّحْلِ يَنْتَجِعُونَ بِهَا وَيَذْهَبُونَ وَهِيَ تَتْبَعُهُمْ، وَقَرَأَ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ} الْآيَةَ"فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الذُّلُلُ مِنْ نَعْتِ النَّحْلِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ فِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ، غَيْرَ أَنَّا اخْتَرْنَا أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلسُّبُلِ لِأَنَّهَا إِلَيْهَا أَقْرَبُ.
وَقَوْلُهُ: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِ النَّحْلِ شَرَابٌ، وَهُوَ الْعَسَلُ، مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ، لِأَنَّ فِيهَا أَبْيَضَ، وَأَحْمَرَ، وَأَسْحَرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْوَانِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: «أَسْحَرَ» : أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ مِثْلُ أَبْيَضَ، يَضْرِبُ إِلَى الْحُمْرَةِ
وَقَوْلُهُ: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا عَادَتْ عَلَيْهِ الْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فِيهِ} ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَادَتْ عَلَى الْقُرْآنِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَا
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُرِيدَ بِهَا الْعَسَلُ
عَنْ قَتَادَةَ:"فِيهِ شِفَاءٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَدْوَاءِ، وَقَدْ كَانَ يُنْهَى عَنْ تَفْرِيقِ النَّحْلِ وَعَنْ قَتْلِهَا"
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ أَنَّ أَخَاهَ اشْتَكَى بَطْنَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبْ فَاسِقِ أَخَاكَ عَسَلًا» ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: مَا زَادَهُ إِلَّا شِدَّةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اذْهَبْ فَاسِقِ أَخَاكَ عَسَلًا، فَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ» فَسَقَاهُ، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ"."
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"شِفَاءَانِ: الْعَسَلُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَالْقُرْآنُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ"
وَهَذَا الْقَوْلُ، أَعِنِّي قَوْلَ قَتَادَةَ، أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {فِيهِ} فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنِ الْعَسَلِ، فَأَنْ تَكُونَ الْهَاءُ مِنْ ذِكْرِ الْعَسَلِ، إِذْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ.