الأمر الأول: استبقاء الحياة ، وقد ضمنه سبحانه بما أنعم به علينا من الأرزاق ، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة ، فبعد أنْ تحدّث عن استبقاء الحياة بالرزق في الآية السابقة ذكر:
الأمر الثاني: وهو استبقاء الحياة ببقاء النوع ، فقال سبحانه:
{والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ...} [النحل: 72] .
والأزواج: جمع زوج ، والزوج لا يعني الرجل فقط ، بل يعني الرجل والمرأة ؛ لأن كلمة (زوج) تُطلَق على واحد له نظير من مثله ، فكلُّ واحد منهما زَوْج . . الرجل زوج ، والمرأة زوج ، فتُطلق إذن على مُفْرد ، لكن له نظير من مثل .
و {مِّنْ أَنْفُسِكُمْ} [النحل: 72] .
أي: من نَفْس واحدة ، كما قال في آية أخرى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ...} [الزمر: 6] .
يعني: أخذ قطعة من الزوج ، وخلق منها الزوجة ، كما خلق سبحانه حواء من آدم عليهما السلام .
أو: {وَخَلَقَ مِنْهَا . .} [النساء: 1] .
أي: من جنسها ، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ . .} [التوبة: 128] .
أي: من جنسكم .
فالمسألة تحتمل المعنيين . . مَن اتسع ظنُّه إلى أن الله خلق حواء من ضِلع آدم أي: منه ، من بعضه فلا مانع ، ومَنْ قال: خلق الله حواء كما خلق آدم خَلْقاً مستقلاً ، ثم زَاوَج بينهما بالزواج فلا مانع . . فالأول على معنى البَعْضية ، والثاني على معنى من جنسكم .
قلنا: إن الجمع إذا قابل الجمع اقتضت القسمةُ آحاداً . . كما لو قال المعلم لتلاميذه: أخرجوا كتبكم ، فهو يخاطب التلاميذ وهم جمع . وكتبهم جمع ، فهل سيُخرِج كل تلميذ كُتب الآخرين؟! . . لا . . بل كل منهم سيُخرج كتابه هو فقط . . إذن: القسمة هنا تقتضي آحاداً . . وكذلك المعنى في قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ...} [الروم: 21] .
أي: خلق لكل منكم زَوْجاً .