ولكي نتأكد من هذه الحقيقة ، وأن الخَلْق بدأ بآدم عليه السلام نردُّ الأشياء إلى الماضي ، وسوف نجد أن كُلَّ متكاثر في المستقبل يتناقص في الماضي . . فمثلاً سُكّان العالم اليوم أكثر من العام الماضي . . وهكذا تتناقص الأعداد كلما أوغلنا في الماضي ، إلى أن نصلَ إلى إنسان واحد هو آدم عليه السلام ومعه زوجه حواء ، لأن أقلَّ التكاثر من اثنين .
إذن: قوله سبحانه: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا . .} [النساء: 1] .
كلام صحيح يؤيّده الاستقراء والإحصاء .
لذلك يمتنُّ ربّنا سبحانه علينا أنْ خلقَ لنا أزواجاً ، ويمتنُّ علينا أن جعل هذا الزوج من أنفسنا ، وليس من جنس آخر ، لأن إلْفَ الإنسان وأنْسه لا يتم إلا بجنسه ، وهذه من أعظم نعم الله علينا ، ولك أن تتصوَّر الحال إذا جعل الله لنا أزواجاً من غير جنسنا!! كيف يكون؟!
هذا الزوج اشترك معنا في أشياء ، واختلف عنّا في شيء واحد ، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد ، والقالب واحد ، والعقل واحد ، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان . . يدان ورجْلان . . الخ ، وهذا الاشتراك يُعين على الارتقاء والمودة والأنْس والألْفة .
واختلفنا في شيء واحد هو النوع: فهذا ذكر ، وهذه أنثى . إذن: جمعنا جنس ، وفرَّقنا النوع لِيتمّ بذلك التكامل الذي أراده سبحانه لعمارة الأرض .
وهناك احتمال أن يتحوَّل الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر ، لذلك خلق الله الاحتياط لهذه الظاهرة ، كأنْ يكونَ للرجل ثَدْي صغير ، أو غيره من الأعضاء القابلة للتحويل ، إذا ما دَعَتْ الحاجة لتغيير النوع . . فهذا تركيب حكيم وقدرة عالية .
إذن:
{مِّنْ أَنْفُسِكُمْ ...} [النحل: 72] .