اعلم أنه تعالى لما شرح أنواعاً كثيرة في دلائل التوحيد ، وتلك الأنواع كما أنها دلائل على صحة التوحيد ، فكذلك بدأ بذكر أقسام النعم الجليلة الشريفة ، ثم أتبعها في هذه الآية بالرد على عبدة الأصنام فقال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السماوات والأرض شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فيعني به الغيث الذي يأتي من جهة السماء ، وأما الذي يأتي من جانب الأرض فهو النبات والثمار التي تخرج منها وقوله: {مِنْ السماوات والأرض} من صفة النكرة التي هي قوله: {رِزْقاً} كأنه قيل: لا يملك لهم رزقاً من الغيث والنبات وقوله: {شَيْئاً} قال الأخفش: جعل قوله: {شَيْئاً} بدلاً من قوله: {رِزْقاً} والمعنى: لا يملكون رزقاً لا قليلاً ولا كثيراً ، ثم قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} والفائدة في هذه اللفظة أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعته أن يتملكه بطريق من الطرق ، فبين تعالى أن هذه الأصنام لا تملك وليس لها أيضاً استطاعة تحصيل الملك.
فإن قيل: إنه تعالى قال: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ} فعبر عن الأصنام بصيغة"ما"وهي لغير أولي العلم ، ثم قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} والجمع بالواو والنون مختص بأولى العلم فكيف الجمع بين الأمرين ؟
والجواب: أنه عبر عنها بلفظ"ما"اعتباراً لما هو الحقيقة في نفس الأمر وذكر الجمع بالواو والنون اعتباراً لما يعتقدون فيها أنها آلهة.
ثم قال تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال} وفيه وجوه: الأول: قال المفسرون: يعني لا تشبهوه بخلقه.
الثاني: قال الزجاج: أي لا تجعلوا لله مثلاً ، لأنه واحد لا مثل له.