وعنه - صلى الله عليه وسلّم - «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله تعالى يطعمهم ويسقيهم» أي أن المرض الذي يمنع من الطعام والشراب واقع من الله تعالى فسلموا الأمر ولا تكرهوا المريض على الطعام والشراب فتكونوا قد عارضتم الله تعالى في أمره.
فإن قيل: فلا ينبغي على هذا الطعام المحتاج وقد قال قوم من الكفار، فحكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه!
قيل: المريض أبطل الله تعالى بالمرض حاجته إلى الطعام والشراب اللذين كان يحتاج إليهما في صحته، فإذا أكره على الطعام والشراب، وطعمه لا يحتملهما أضر ذلك به.
والفقير محتاج إلى الطعام والشراب محتمل لهما، ولكنه لا يجدهما، وإذا لم يواس بهما هلك، فوجبت المواساة لكيلا يهلك، كما وجب الكف عن إكراه المريض عليهما لئلا يهلك.
فالمقصود في الناس دفع الضرر إلا أن الفقير محتاج غير واحد، فدفع الضرر عنه يكون بالإطعام، والمريض غير محتاج وطعمه غير محتمل، فدفع الضرر عنه يكون بالكف عنه.
والله أعلم.
وعنه صلوات الله عليه أن رجلاً رمي فأجفن، فدعا له رجلين من بني أنمار، فقال: «أيكما أطب؟ فقال أحدهما؛ أو في الطب خير؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إنما أنزل الدواء من أنزل الداء، فقال أحدهما: أنا أطب فأمره فعالجه فبرأ» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم -: «إن هذا الوباء رجز عذب الله به بعض الأمم ممن كان قبلكم، فإذا سمعتم بها فلا تأتوها» فيقول في هذا الحديث - والله الموفق - إذا وقع الوباء بأرض فلا ينبغي لمن لم يكن بها أن يأتها لأنه بذلك يتعرض للبلاء، وذلك مخالفاً، وذلك لما يلزم كل أحد من حبس الظن لنفسه.
وأما من كان بها فلا يخرج منها، وفي بعض الروايات.
ولا تخرجوا فراراً منها.
فقد يحتمل أن يقال: إنه إذا بدا له الخروج لحاجة عرضت له، أو لأنه كان قدمها لحاجة فغضب فذلك له.
وإن أراد بالخروج الفرار من الوباء فلا ينبغي له أن يفعله، لأن الوباء إذا كان غالباً، فالظاهر أن الله تعالى أرسله إلى عامة أهل البلد، فلا يخرج منه أحد بأن يستثني نفسه فيعتزل وإنما يخرج منه بأن يستثنه الله تعالى فيسلمه.
والفرار من الوباء باستثناء منه لنفسه، وذلك مما لا يملكه فكان ممنوعاً عنه، ولزمه أن يقيم.
فإن كان له عند الله استثناء فسيعصمه، وذلك أشبه بالعبودة والتسليم لحكم الله تعالى من الفرار.