ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلاّ بعد إقامة الحجة عليهم وإزاحة العلة منهم ، فقال: {وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ} وهذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالكتاب: القرآن ، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال أي: ما أنزلناه عليك لحال من الأحوال ، ولا لعلة من العلل إلاّ لعلة التبيين لهم ، أي: للناس الذي اختلفوا فيه من التوحيد ، وأحوال البعث ، وسائر الأحكام الشرعية ، وانتصاب {هُدًى وَرَحْمَةً} على أنهما مفعول لهما معطوفان على محل لتبين.
ولا حاجة إلى اللام ، لأنهما فعلاً فاعل الفعل المعلل ، بخلاف التبيين ، فإنه فعل المخاطب ، لا فعل المنزل {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله سبحانه ، ويصدّقون ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب.
ثم عاد سبحانه إلى تقرير وجوده وتفرّده بالإلهية بذكر آياته العظام فقال: {والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء} أي: من السحاب ، أو من جهة العلو كما مرّ ، أي: نوعاً من أنواع الماء {فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: أحياها بالنبات بعد أن كانت يابسة لا حياة بها {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الإنزال والإحياء {لآيَةً} أي: علامة دالة على وحدانيته ، وعلى بعثه للخلق ومجازاتهم {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} كلام الله ويفهمون ما يتضمنه من العبر ، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.
{وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً} الأنعام هي: الإبل والبقر والغنم ويدخل في الغنم المعز.
والعبرة أصلها: تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة.
ومنه {فاعتبروا ياأولى الأبصار} [الحشر: 2] .
وقال أبو بكر الوارق: العبرة في الأنعام: تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم ، والظاهر أن العبرة هي قوله: {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ} فتكون الجملة مستأنفة لبيان العبرة.