قال أبو جعفر النحاس: قال جماعة من الفقهاء: تحريم الخمر بآيتين من القرآن بقوله عز وجل: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} ، وبقوله عز وجل: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ} ، فلما حرم الإثم وأخبر أن في الخمر إثمًا وجب أن تكون محرمة.
الوجه الثاني: آية تحريم الخمر ناسخة للآيات الأخر.
قال الشنقيطي: قوله تعالى: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} . هذه الآية الكريمة يفهم منها أن السُكر المتخذ من ثمرات النخيل والأعناب لا بأس به لأن اللَّه امتن به على عباده في سورة الامتنان التي هي سورة النحل، وقد حرّم تعالى الخمر بقوله: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ؛ لأنه وصفها بأنها رجس وأنها من عمل الشيطان وأمر باجتنابها ورتب عليه رجاء الفلاح، ويفهم منه أن من لم يجتنبها لم يفلح وهو كذلك، وقد بيَّن -صلى اللَّه عليه وسلم- أن كل ما خامر العقل فهو خمر وأن كل مسكر حرام وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
والجواب ظاهر وهو أن آية تحريم الخمر ناسخة لقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} . الآية. ونسخها له هو التحقيق. وإنما قلنا إن التحقيق هو كون تحريم الخمر ناسخًا لإباحتها؛ لأن قوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} يدل على إباحة الخمر شرعًا، فرفع هذه الإباحة المدلول عليها بالقرآن رفع حكم شرعي فهو نسخ بلا شك، ولا يمكن أن تكون إباحتها عقلية إلا قبل نزول هذه الآية كما هو ظاهر، ومعلوم عند العلماء أن الخمر نزلت في شأنها أربع آيات من كتاب اللَّه:
الأولى: هذه الآية الدالة على إباحتها.
الثانية: الآية التي ذكر فيها بعض معايبها، وأن فيها منافع وصرحت بأن إثمها أكبر من نفعها، وهي قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} ، فشَرِبها بعد نزولها قوم للمنافع المذكورة، وترَكها آخرون للإثم الذي هو أكبر من المنافع.