قال الطبري: يا أيها الذين صدّقوا اللَّه ورسوله، إن الخمر التي تشربونها، والميسِرَ الذي تَتَياسرونه، والأنصاب التي تذبحُون عندها، والأزلام التي تستقسمون بها {رِجْسٌ} يقول: إثم ونَتْنٌ سَخِطه اللَّه وكرهه لكم {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} يقول: شربكم الخمر، وقماركم على الجُزُر، وذبحكم للأنصاب، واستقسامكم بالأزلام، من تزيين الشيطانِ لكم، ودعائه إياكم إليه، وتحسينه لكم، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربُّكم، ولا مما يرضاه لكم، بل هو مما يسخطه لكم {فَاجْتَنِبُوهُ} يقول: فاتركوه وارفضوه ولا تعملوه {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يقول: لكي تنجَحُوا فتدركوا الفلاحَ عند ربكم بترككم ذلك.
قال الشيخ محمد رشيد رضا: ولما بين جل جلاله علة تحريم الخمر والميسر وحكمته أكده بقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، فهذا استفهام يتضمن الأمر بالانتهاء ثم ذكر كلام الكشاف.
ثم قال وتبعه في ذلك الرازي وغيره ونحن نبين المؤكدات بأوضح مما بينوها به وأوسع فنقول: أحدها: أن اللَّه تعالى جعل الخمر والميسر رجسًا، وكلمة الرجس تدل على منتهى القبح والخبث، ولذلك أطلقت على الأوثان كما تقدم، فهي أسوأ مفهومًا من كلمة الخبيث وقد علم من عدة آيات أن اللَّه أحل الطيبات وحرم الخبائث.
ثانيها: أنه صدر الجملة بإنما الدالة على الحصر للمبالغة في ذمهما كأنه قال ليست الخمر وليس الميسر إلا رجسًا فلا خير فيهما البتة.
ثالثها: أنه قرنها بالأنصاب والأزلام التي هي من أعمال الوثنية وخرافات الشرك.
رابعها: أنه جعلها من عمل الشيطان لما ينشأ عنها من الشرور والطغيان، وهل عمل الشيطان إلا موجبًا لسخط الرحمن؟
خامسها: أنه جعل الأمر بتركهما من مادة الاجتناب، وهو أبلغ من الترك لأنه يفيد الأمر بالترك مع البعد عن المتروك بأن يكون التارك في جانب بعيد عن المتروك.
سادسها: أنه جعل اجتنابهما معدًا للفلاح ومرجاة له، فدل ذلك على أن ارتكابهما من الخسران والخيبة في الدنيا والآخرة.