أي: إن في ذلك الذي فعلناه بقدرتنا وحدها، من انزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به من بعد موتها، لآية عظيمة، وعبرة جليلة، ودلالة واضحة تدل على وحدانيتنا وقدرتنا وحكمتنا، «لقوم يسمعون» ما يتلى عليهم من كلام الله - تعالى - سماع تدبر واعتبار، فيعملون بما اشتمل عليه من توجيهات حكيمة وإرشادات سديدة.
فالمراد بالسمع: سمع القلوب والعقول، لا سمع الآذان فقط، إذ سمع الآذان بدون وعى واستجابة للحق، لا قيمة له، ولا فائدة ترجى من ورائه.
ثم أرشد - سبحانه - إلى مظهر آخر من مظاهر وحدانيته، وعظيم قدرته وعجيب صنعه، وسعة رحمته، حيث خلق للناس الأنعام، وسقاهم من ألبانها، فقال - تعالى -: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ....
والأنعام: تطلق على الإبل والبقر والغنم من الحيوان، ويدخل في الغنم المعز.
والعبرة: مصدر بمعنى العبور، أي: التجاوز من محل إلى آخر، والمراد بها هنا: العظة والاعتبار والانتقال من الجهل إلى العلم، ومن الغفلة إلى اليقظة.
أي: وإن لكم - أيها الناس - في خلق الأنعام، وفيما يخرج منها من ألبان لعبرة عظيمة، وعظة بليغة، ومنفعة جليلة توجب عليكم إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، ومداومة الشكر له على نعمه. فالتنكير في قوله لَعِبْرَةً للتفخيم والتهويل.
وقوله - تعالى -: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ استئناف بيانى، كأنه قيل: وما وجه العبرة في الأنعام؟ فكان الجواب: نسقيكم مما في بطونه.
قال الآلوسي: والضمير في «بطونه» يعود للأنعام، وهو اسم جمع، واسم الجمع يجوز تذكيره وإفراده باعتبار لفظه، ويجوز تأنيثه وجمعه باعتبار معناه ... ».
وقوله - سبحانه -: مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ بيان لموطن العبرة ومحل النعمة، ومظهر الدلالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ورحمته ..
والفرث: الطعام المتبقى في أمعاء الحيوان بعد هضمه. وأصل الفرث: التفتيت. يقال فرثت كبده. أي: فتتتها.