ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتًا من الغيبة إلى الخطاب: {فَتَمَتَّعُوا} بما أنتم فيه من ذلك بقية آجالكم؛ أي: فعيشوا وانتفعوا بمتاع الحياة الدنيا أيامًا قليلةً، وهو أمر تهديد {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} عاقبة أمركم، وما يحل بكم في هذه الدار، وما تصيرون إليه في الدار الآخرة.
وحاصل معنى الآيات: أي {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ} في أبدانكم من عافيةٍ وصحةٍ وسلامة، وفي أموالكم من نماءٍ وزيادةٍ {فَمِنَ اللَّهِ} ؛ أي: فالله هو المنعم بها عليكم، والمتفضل بها لا سواه، فبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، فيجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم المتواصلة، وإحسانه الدائم الذي لا ينقطع، ولقد أجاد من قال:
أحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوْبَهُمُ ... فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ
{ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ} ؛ أي: ثم إذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض، أو حاجة عارضة أو شدة وجهد في العيش ووسائل الحياة. {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} ؛ أي: فإليه تصرخون بالدعاء، وتستغيثون به ليكشف ذلك عنكم، علمًا منكم أنه لا يقدر على إزالة ذلك إلا هو،
54 - {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ} ؛ أي: ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من مرض في أبدانكم، أو شدةٍ في معاشكم بتفريج البلاء عنكم .. إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكًا في العبادة، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح شكرًا لغير من أنعم بالفرج وأزال من الضر.