فمعناه أنه سبحانه أنزل الماء من السماء لا يشربه الناس في حال نزوله ، ولكن ليكون في الأرض لمن أراد أنْ يشربَ . . فالحق تبارك وتعالى لم يفتح أفواه الناس أثناء نزول المطر ليشربوا منه . . لا . . بل هو مخزون في الأرض لمن أراده . والمضارع من أَسْقى: يُسقي .
إذن: هناك فَرْق بين الكلمتين ، وإنِ اتفقنا في المعنى العام . . وفرْق بين أن تُعطي ما يُستفَادُ منه في ساعته ، مثل قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ . .} [الإنسان: 21] .
وبين أنْ تعطي ما يمكن الاستفادة منه فيما بعد كما في قوله: {فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} [الحجر: 22] .
لذلك يقولون: إن الذي يصنع الخير قد يصنعه عاجلاً ، فيعطي المحتاج مثلاً رغيفاً يأكله ، وقد يصنعه مؤُجّلاً فيعطيه ما يساعده على الكسْب الدائم ليأكل هو متى يشاء من كسْبه .
والحق تبارك وتعالى أعطانا هذه الفكرة في سورة الكهف ، في قصة ذي القرنين ، قال تعالى:
{حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً} [الكهف: 93] .
فما داموا لا يفقهون قَوْلاً . . فكيف تفاهم معهم ذو القرنين ، وكيف قالوا: {ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} [الكهف: 94] .
نقول: الذي يريد أن يفعل الخير والمعروف يسعى إليه ويحتال للوصول إليه وكأنه احتال أنْ يفهمهم ، وصبر عليهم حتى توصّل إلى طريقة للتفاهم معهم ، في حين أنه كان قادراً على ترْكهم والانصراف عنهم ، وحُجّته أنهم لا يفقهون ولا يتكلمون .