وعلى هذين القولين في نجاسة المني وطهارته التابعون.
السابعة في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره ، فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به ؛ لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس ، وذلك أن ضَرْع الميتة نجس واللبن طاهر فإذا حلب صار مأخوذاً من وعاء نجس.
فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه ، فمن قال: إن الإنسان طاهر حياً وميتاً فهو طاهر.
ومن قال: يَنْجَس بالموت فهو نجس.
وعلى القولين جميعاً تثبت الحرمة ؛ لأن الصبي قد يغتذي به كما يغتذي من الحية ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم"ولم يخصّ ؛ وقد مضى في"النساء".
الثامنة قوله تعالى: {سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ} أي لذيذاً هيّناً لا يَغَصّ به من شربه.
يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغاً أي سهل مدخله في الحلق ، وأساغه شاربه ، وسغته أنا أسيغه وأسوغه ، يتعدّى ولا يتعدّى ، والأجود أسغته إساغة.
يقال: أسِغ لي غُصّتي أي أمهلني ولا تُعجلني ؛ وقال تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} والسِّواغ (بكسر السين) ما أسغت به غُصّتك.
يقال: الماء سِواغ الغُصَص ؛ ومنه قول الكُمَيْت:
فكانت سِوَاغاً أن جَئزْت بغُصّة ...
وروي أن اللبن لم يَشْرَق به أحد قطُّ ، وروي ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
التاسعة في هذه الآية دليل على استعمال الحلاوة والأطعمة اللذيذة وتناولها ، ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد أو يباعده ، لكن إذا كان من وجهه ومن غير سَرَف ولا إكثار.
وقد تقدّم هذا المعنى في"المائدة"وغيرها.
وفي الصحيح عن أنس قال: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله: العسل والنبيذ واللبن والماء.
وقد كره بعض القرّاء أكل الفالوذَج واللبن من الطعام ، وأباحه عامة العلماء.