اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة ليكون عبرة ، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة ، وليس المنِيّ من هذه الحالة حتى يكون ملحقاً به أو مَقِيساً عليه.
قلت: قد يعارَض هذا بأن يقال: وأيّ مِنّة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم ؛ وقد قال تعالى: {يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب} ، وقال: {والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} وهذا غاية في الامتنان.
فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجرى البول ، قلنا: هو ما أردناه ، فالنّجاسة عارضة وأصله طاهر ؛ وقد قيل: إن مَخْرَجه غير مخرج البول وخاصّةً المرأة ؛ فإن مَدخل الذكر منها ومخرج الولد غيرُ مخرج البول على ما قاله العلماء.
وقد تقدّم في البقرة.
فإن قيل: أصله دم فهو نجس ، قلنا ينتقض بالمسك ، فإن أصله دم وهو طاهر.
وممن قال بطهارته الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم ؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابساً بظفري.
قال الشافعيّ: فإن لم يُفْرَك فلا بأس به.
وكان سعد بن أبي وَقّاص يفرك المنيّ من ثوبه.
وقال ابن عباس: هو كالنُّخامة أمِطْه عنك بإذْخِرة وامسحه بخرقة.
فإن قيل: فقد ثبت عن عائشة أنها قالت: كنت أغسل المنيّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه.
قلنا: يحتمل أن تكون غسلته استقذاراً كالأشياء التي تزال من الثوب لا لنجاسة ، ويكون هذا جَمْعاً بين الأحاديث.
والله أعلم.
وقال مالك وأصحابه والأَوْزاعيّ: هو نجس.
قال مالك: غسل الاحتلام من الثوب أمر واجب مجتمع عليه عندنا ، وهو قول الكوفيين.
ويروى عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وجابر بن سمرة أنهم غسلوه من ثيابهم.
واختلف فيه عن ابن عمر وعائشة.