الرابعة استنبط بعض العلماء الجِلّة وهو القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير ، أن لبن الفحل يفيد التحريم ، وقال: إنما جيء به مذكّراً لأنه راجع إلى ذكر النَّعم ؛ لأن اللبن للذكر محسوب ، ولذلك قضى النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن لبن الفحل يحرّم حين أنكرته عائشة رضي الله عنها في حديث أفْلح أخي أبي القُعَيس
"فللمرأة السّقي وللرجل اللقاح"فجرى الاشتراك فيه بينهما.
وقد مضى القول في تحريم لبن الفحل في"النساء"والحمد لله.
الخامسة قوله تعالى: {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً} نبّه سبحانه على عظيم قدرته بخروج اللبن خالصاً بين الفَرْث والدم.
والفَرْثُ: الزّبل الذي ينزل إلى الكَرِش ، فإذا خرج لم يُسَمَّ فَرْثاً.
يقال: أفْرَثْت الكَرِش إذا أخرجت ما فيها.
والمعنى: أن الطعام يكون منه ما في الكَرِش ويكون منه الدّم ، ثم يخلص اللبن من الدم ؛ فأعلم الله سبحانه أن هذا اللبن يخرج من بين ذلك وبين الدّم في العروق.
وقال ابن عباس: إن الدابة تأكل العلف فإذا استقرّ في كَرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً ، والكبد مسلّط على هذه الأصناف فتقسم الدم وتمّيزه وتُجريه في العروق ، وتجرِي اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكَرِش ؛ {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النذر} .
{خَالِصاً} يريد من حمرة الدم وقذارة الفَرْث وقد جمعهم وعاء واحد.
وقال ابن بحر: خالصاً بياضه.
قال النابغة:
بخَالصة الأرْدان خُضْرِ المناكب ...
أي بيض الأكمام.
وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء بالمصلحة.
السادسة قال النقاش: في هذا دليل على أن المَنِيّ ليس بنجس.
وقاله أيضاً غيره واحتج بأن قال: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغاً خالصاً كذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهراً.
قال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم وأخذ شنيع.