قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه ، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض ، فخالق العالم دبر تدبيراً ، فقلب ذلك الطين نباتاً وعشباً ، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك العشب دماً ، ثم دبر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدم لبناً ، ثم دبر تدبيراً آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن ، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك ، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع ، والله أعلم.
ثم قال تعالى: {وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
فإن قيل: بم تعلق قوله: {وَمِن ثمرات النخيل والأعناب} .
قلنا: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه.
وقوله: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} بيان وكشف عن كنه الإسقاء.
المسألة الثانية:
قال الواحدي: {الأعناب} عطف على الثمرات لا على النخيل ، لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب ، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى.
المسألة الثالثة:
في تفسير السكر وجوه: الأول: السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً ، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب.
فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام ؟