نعمل في التصديق لقيله والإيمان بإعلامه، والعمل بما كلفها وشرع لها من هدايته.
ثم هو الآن جل ذكره ينشئ إعلانها نشأً إلى أن يصيرها إلى حيث استخرجها،
فيعيدها جل ذكره إلى حال إعلانها، وهو المبدئ المعيد، وقد أوجد - جلَّ جلالُه - جملة
الأصول الأربعة أمر الملائكة - عليهم السلام - بجمع المواد، ومزج ما هو من
شأنه الامتزاج، وتفريق ما من شأنه التفريق، وتصعيد ما من شأنه التصعيد، وإمساك
ما من شأنه الإمساك، وإنماء ما من شأنه الإنماء، وتصوير الصور وتخطيط الأشكال،
وربط ما من شأنه الرباط، وحل مَن شأنه الحل، يعملون بأمره، ويشفعون عنده
بإذنه، وهم يسبحون في ذلك يحمدون ويسجدون له.
فالأصول الأول تسجد لبارئها وتعبده في مستودعاتها من الخزائن، وجملتها
قانتة لمضطرها، والمواد تسجد له داخرة حال ما تساق بدعوته إياها، والنازعات
والجاذبات والناشرات والماسكات والدافعات والملقيات للأمر بمشيئة ربهم عز
جلاله، والناشطات والفارقات والناميات والهاضمات والمغذيات، وجميع
المدبرات للأمر يسبحون بحمد ربهم ويسجدون له ويفعلون ما يؤمرون.
والموجود بما هو مقهور قد أحاط به الاضطرار، ولذَّه عزم الاقتدار الممنح له
إلى ما لا بد منه ولا محيص عنه ساجد لربه، داخر لبارئه، خاضع لعزته، يصرفه
كيف شاء، ويقلبه إلى ما يريد، فهو - أعني: الموجود - ساجد بكليته، وعابد
بجملته على كل أحواله وجميع جهات معانيه.
(فصل)
هذا من حيث هو نبات وشخص له ظل، وقد أخبر الله جل ذكره أن ظلال
الأشخاص تسجد له، وأرانا كيفية سجودها في حال تفيؤها، ثُمَّ أخبر بصدق قبله إن
الأشخاص تسجد له أيضًا، فمن الواجب الإيمان به وتحقيق الإيمان بوجودها
ساجدة مسبحة له، ألا ترى أن أحدنا إذا صلى صلاة صلى معه ظله، يقوم لقيامه
ويسجد لسجوده ويركع بركوعه ويجلس بجلوسه، كذلك سوانا من الأشخاص، وإن
كنا لا نرى سجودها ولا نسمع تسبيحها، فالإيمان يصدق كلام الله أنها تسجد
وتسبح يوجب تحقيق ذلك، ويمكن أن يكون زائدًا إلى ما تقدم ذكره سجودها،
تحركها بالرياح وتحريك ما يحركها، ونشيش ما له نشيش، وصرصرة ما له صرصرة