وأسكنهما في الأرض، يبطن هذا بإظهار هذا، ويظهر هذا بإبطان هذا، وإدبارهما في
إقبالهما، وإدبارهما في دوائر محكمة التدوار، وقولهما [مبوءات] هي مطالع الشمس
في مواقع النجوم.
قال الله عز وجل (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)
يعني: منازل الشمس والقمر.
قال رسول الله: عجيه"ما تطلع من قصبة إلا فتح لها باب من النار"وفي أخرى:
"باب من جهنم"فهذا فتح جهنم من الدار الآخرة إلى دار الدنيا، ثم هو - جلَّ جلالُه - يفتح
برحمته إذا شاء فـ (يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) ، فينزل الماء من السماء إلى
الأرض، فيخرج به جنات معروشات وغير معروشات، أجرى الله جل وتعالى ذكره
هذا الفتح على حكم مشيئته، وعلى حكم المعهود على مواقع النجوم؛ لذلك
سميت أبواب، فهذا فتح الله برحمته من الدار الآخرة إلى الدار الدنيا.
أظهر الله بذلك قدرته ومشيئته وحكمته وقدره فيها، فهي تسبحه في خزائنها
وغيابات غيبها، وتسبحه في مشاهدها، ثم أوجد عن ذلك فيما هنا الجنة رطوبة
لمشاركة لها في البرودة أربع شعب: حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، لجهنم منهن
الثلاث، ثم أوجد من امتزاجهن جملتهن ماء ونارًا وهواء وأرضا، فألحقَ كل نوع
بنوعه الذي هو أولى به، فهذا وما قبله اضطرار لازم وصغار محيط بهن استخلفهن
من أجل ذلك للحاق بالساجدين، ثم مزج الممتزجات، وقارن بين المتباعدات،
وألَّف بين المتنافرات، وجمع بين المتضادات، فظهر بذلك الصغار والقهر ظهورًا
بينًا.
ثم إنه لما أذن في جميع مواد الخلقة جمعها من مفترقات أماكنها ودعاها من
المخلوق أتت إليه صاغرة، وأجابت الدعوة داخرة، فتبين السجود أكثر تبيانًا
وأوضح انشراحًا، فانظر - وفقك الله - لما كانت موجودات الآخرة مقربة فيما
هنالك بالتسبيح والتحميد والذكر والتوحيد والسجود، معلنة بضروب العبارات جبلَّة
وسجية، وقد وجهك إلى هذه الدار التي أساسها على الإيمان بالغيب وأوجدها
للابتلاء، أسر تسبيحها وأخفى سجودها، وأعلمنا بما هي عليه من ذلك، لينظر كيف