ويحتمل أن يكون قوله: (إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) والحجج التي أتت بها الرسل فيكون تأويله: أي اسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون البينات والزبر التي أتت بها الرسل ليخبروكم، أن الرسل إنما بعثوا من البشر بالبينات والكتب، فيكون على التقديم الذي ذكره بعض أهل التأويل: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات والزبر.
ويحتمل قوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أي: أهل الشرف من أهل الكتاب؛ ليبينوا لكم البينات والزبر؛ لأنهم يأنفون الكتمان والكذب، وإن كان أهل الذكر جميع أهل الكتاب، فالسؤال عن الرسل أنهم كانوا من البشر والرجال؛ لأنهم يعلمون ذلك.
وقوله: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ(44)
قيل: أنزل إليك القرآن؛ لتبين للناس ما نزل إليهم.
يحتمل قوله: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) من أنباء الغيب؛ وما غاب عنهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض، ولتبين لهم جميع ما يأتون وما يتقون، وما يحل وما يحرم.
(وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) في ذلك.
ويحتمل قوله: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ) لهم ما حرفوا من كتبهم وبدلوه وغيروه، فيكون فيه آية لرسالتك، أو يكون الذي أنزل إليه كالمنزل إليهم، حيث ذكر أنه يبين ما أنزل إليه، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) .
قوله: (أَفَأَمِنَ) .
قد ذكرنا أنه حرف استفهام؛ إلا أنه من اللَّه غير محتمل ذلك، وهو على الإيجاب.
ثم هو يخرج على وجهين:
أحدهما: على الخبر أنهم قد أمنوا مكره.
والثاني: على النهي؛ أي: لا تأمنوا؛ كقوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) .