ويُلَقَّب المعتزلة بالقدرية تارة، وبالمُعَطِّلة تارة أخرى، أما تلقييبهم بالقدرية، فلأنهم يسندون أفعال العباد إلى قدرتهم، وينكرون القَدَر فيها. وأما تلقيبهم بالمُعَطِّلة فلأنهم يقولون بنفى صفات المعاني فيقولون: الله عالِم بذاته، قادِر بذاته .. وهكذا. فأنت ترى مما تقدم، أن الاعتزال نشأ فِي البصرة، ولكن سرعان ما انتشر فِي العراق، واعتنقه من خلفاء بنى أمية يزيد بن الوليد، ومروان بن محمد، وفى العصر العباسى، استحفل أمر المعتزلة، واحتلت أفكارهم وعقائدهم من عقول الناس وجدل العلماء مكانا عظيماً، وما لبث أن تكوَّنت للاعتزال مدرستان كبيرتان: مدرسة البصرة، وعلى رأسها واصل بن عطاء. ومدرسة بغداد، وعلى رأسها بشر بن المعتمر، وكان بين معتزلى البصرة ومعتزلى بغداد جدال وخلاف فِي كثير من المسائل.
ولا أطيل بذكر ما كان بين المدرستين من مسائل خلافية، فإن هذه العُجَتلة لا تتحمل الإطالة والتفصيل، ويكفى أن أُجمل القول فِي ذكر أُصول المعتزلة، وأن أشير إلى تعدد فرقهم، ومَن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب التي أُلِّفت فِي تاريخ الفِرَق، وهي كثيرة.
* أصول المعتزلة:
أما أصول المعتزلة فهي خمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الأصول الخمسة يجمع الكل عليها، ومَن لم يقل بها جميعاً فليس معتزلياً بالمعنى الصحيح. قال أبو الحسن الخياط أحد زعماء المعتزلة فِي القرن الثالث الهجري:"وليس يستحق أحد منهم اسم الاعتزال حتى يجمع القول بالأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد، والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كملت هذه الخصال فهو معتزلى".
أما التوحيد: فهو لُبِّ مذهبهم، ورأس نحلتهم، وقد بنوا على هذا الأصل: استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وأن القرآن مخلوق لله تعالى.