201 -ثم بين سبحانه طريق سلام من يستعيذ من الشيطان من الوقوع في المعصية فقال: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا} ؛ أي: إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسهم عما يضرها {إِذا مَسَّهُمْ} وأصابهم {طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ} ؛ أي: شيء قليل من وسوسة الشيطان، وخاطر منه {تَذَكَّرُوا} ما أمرهم الله به، من ترك إمضاء الغضب، ومن أنّ الإنسان إذا أمضى الغضب .. كان شريكا للسباع المؤذية والحيات القاتلة، وإن تركه واختار العفو .. كان شريكا لأكابر الأنبياء والأولياء والصالحين، ومن أنّه ربما انقلب ذلك الضعيف الذي يريد أن يعدو عليه قويا قادرا على الغضب، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه، أما إذا عفا كان ذلك إحسانا منه إلى ذلك الضعيف {فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ} بسبب التذكر مواقع الخطأ، ومكايد الشيطان، ومنتبهون لها، فيتحرزون عنها، ولا يتبعونه فيها؛ أي: إذا حضرن هذه التذكرات في قلوبهم، ففي الحال يحصل الخلاص من وسوسة الشيطان، ويحصل لهم الإبصار لها، والانكشاف عنها، وينتهون عن المعصية.
والمعنى: أن خيار المؤمنين وهم {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } إذا ألم ونزل بهم طائف وخيال من الشيطان ليحملهم بوسوسته على المعصية، أو إيقاع البغضاء بينهم .. تذكروا أن هذا من إغواء الشيطان عدوهم الذي أمر الله بالاستعاذة منه، والالتجاء إليه في الحفظ من غوايته، فإذا هم أولو بصيرة يربئون أنفسهم أن تطيعه فهو إنّما تأخذ وسوسته الغافلين من ربهم، الذين لا يراقبونه في شؤونهم وأعمالهم، ولا شيء أقوى على طرد وسواس الشيطان من ذكر الله، ومراقبته في السر والعلن من قبل أن يقوي في النفس حب الحق، وداعي الخير، ويضعف فيها الميل إلى الشرور والآثام.
فقويّ الروح بالإيمان والتقوى غير قابل لتأثير الشيطان في نفسه، لكن الشيطان دائما يتحين الفرص وعروض بعض الأهواء النفسية، من شهوة أو غضب أو داعية حسد أو انتقام، حتى إذا وجد الفرصة سانحة افترصها، ولا بس النفس وقويّ فيها داعي الشر، كالحشرات القذرة التي تعرض للنظيف إذا أهملها بالغفلة عنها فعلت فعلها، وإذا تداركها نجا من شرها وضرّها.