الأول: أن معنى الكلام: إن حصل في قلبك نزغ من الشيطان .. فاستعذ بالله، وإنّه لم يحصل له ذلك ألبتة، فهو كقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ} وهو بريء من الشرك ألبتة.
والوجه الثاني: على تقدير أنّه لو حصل وسوسة من الشيطان، لكن الله عصم نبيه صلى الله عليه وسلّم عن قبولها وثبوتها في قلبه، روى مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال وإياي، إلا أنّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» .
قال النواوي: ويروى: (فأسلم) بفتح الميم وضمها، فمن رفع قال: معناه فاسلم من شره وفتنته، ومن فتح قال: معناه أن القرين أسلم من الإسلام، يعني: صار مؤمنا، لا يأمرني إلا بخير، ورجح النواوي الفتح لقوله: «فلا يأمرني إلا بخير» .
والوجه الثالث: يحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم، والمراد به غيره، ومعناه: وإمّا ينزغنّك أيها الإنسان من الشيطان نزع .. فاستعذ بالله، فهو كقوله: {فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} .
قال القاضي عياض: واعلم أنّ الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلّم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه، وفي هذا الحديث المذكور آنفا إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، أعلمنا أنّه معنا لنحترز عنه بحسب الإمكان. والله أعلم.