لما بين الله في الآيات السابقة فساد عبادة الأَصنام وعناد الكافرين جاءَ بعد ذلك بإِرشاد نبيه - صلى الله عليه وسلم -، إِلى اللين في معاملة الناس عامَّةً تيسيرا عليهم وتأْليفا لقلوب الجاحدين، وتسكينا لثورة جماحهم لعلهم يعودون إِلى الحق وحسن الاستماع فقال تعالى:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} : أَي أَقبل يا محمَّد السهل اليسير من أَخلاق الناس، وتساهل معهم فيما اعتادوه، من أَعمال وعادات لا تخالف ما جئت به, وأْمرهم بما شرعه الله لهم، وهو ما تقر بحسنه وصلاحيته العقول السليمة وذهب بعض المفسرين إِلى أَن معنى العفو: الفضل الزائد عن حاجة الناس من أَموالهم، ليكون الأَخذ مستعملا في المُحَسّ دون تجوز، كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} . أَي الزائد عن حاجتهم.
والأَظهر حمل الآية على المعنى الأَول، وهو العفو بمعنى القبول .... مع مراعاة تقييده بقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أَي بالمعروف لك عن طريق الوحي، فلا عفو حينئذ فيما هو مطلوب شرعا، ويبقى العفو عامًّا فيما يجوز التسامح فيه.
قال عليه الصلاة والسلام:"إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ"والمعروف مأْمور به في العبادات والمعاملات، ومنها المبايعات وأَحكام النكاح، ولأَن المعروف هو شريعة الله للناس، وعليه يتوقف إِصلاح حالهم في الدنيا والآخرة جاءَ القرآن الكريم مقررا له في آيات كثيرة، من ذلك: ما حكاه عن التوراة والإِنجيل من وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -. وذلك في قوله:
{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وما جاءَ في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وفي مبايعة النساء: {وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ} وفي معاشرتهن بالمعروف، وفي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} .