وفي هذا التفسير - على الرأْي الثاني - إشارة لطيفة تؤخذ من قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} : لإِدراك الفرق بين طمس البصيرة في الكافرين حتى ينظروا وهم لا يبصرون، وبين ما منحه الله للمؤمنين من منارة الإِيمان التي تنير للبصيرة ما هو كامن مستتر في بعض النفوس بمجرد النظر إِليها ثم يتبين له صدق فراسته بالمخالطة والمعاشرة، كما يشير إِلى ذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ في خطابه لنبيه محمَّد - صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} فالكافر ينظر ببصره، وهو أَعمى البصيرة، بسبب ما ران على قلبه من حجب الكفر والمعاصي والمؤمن ينظر بالفطرة مع فراسة الإِيمان، فيرى ببصيرته بعض صفات المرئى, قبل أَن ينطق ويتكلم، ولهذا كان يوجّه إِلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - سؤال واحد في الأُسلوب من عدة أَشخاص، فيجيب بعضهم بقوله:"اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ"ويجيب آخر بقوله:"أطِعُ أَبَوَيْكَ"، ويجيب ثالثا بقوله:"أَحْسِنْ إلَى جَارِكَ"، ومنشأ ذلك أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم كالطبيب, فيوصى كل شخص بما يناسبه حسب ما انكشف له من التقصير والعيوب بإِلهام من الله، ونور بصيرته، وهكذا من هذا القبيل نظرة سيدنا أَبي بكر - رضي الله عنه - إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استجاب له من غير تردُّدٍ, لأَنه رأَى منه بأَصل الفطرة ما لم يَرَهُ غيره، وكذلك السيدة
خديجة - رضي الله عنها - حينما أَدركت فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولمست فيه كمال صفاته، فآمنت به، وكانت من قبل قد اختارته زوجًا لها مع فقره وغناها، وكان ذلك بعد أَن رفضت كثيرا من أَشراف قريش ليكون أَحدهم زوجًا لها.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } .
المفردات:
{الْعَفْوَ} : السهل اليسير من أَخلاق الناس.
{بِالْعُرْفِ} : بالمعروف وهو ما شرعه الله لعباده وعرف حسنه شرعا وعقلا من عادات الناس.
التفسير
199 - {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} :