فحرم الله عليهم أن يستوطنوا وطنا واحداً يتجمعون فيه ، ونشرهم في الكون كله لأنهم لو كانوا متجمعين لعم فسادهم فقط في دائرتهم التي يعيشون فيها . ويريد الله أن يعلن للدنيا كلها أن فسادهم فساد عام . ولذلك فهم إن اجتمعوا في مكان فلابد أن تتآلب عليهم القوى وتخرجهم مطرودين أو تعذبهم ، وأظن حوادث هتلر الأخيرة ليست بعيدة عن الذاكرة ، وقد أوضحنا ذلك من قبل في شرح قوله الحق: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ...} [الإِسراء: 104]
لقد قلنا: إن السكن في الأرض هو أن يتبعثروا فيها ؛ لأنه - سبحانه - لم يحدد لهم مكانا يقيمون فيه ، فإذا جاء وعد الآخرة ينتقم الله منهم بضربة واحدة ، ويأتي الحق بهم لفيفاً تمهيداً للضربة القاصمة: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك} .
وهناك فريق منهم جاء إلى المدينة المنورة ووسعتهم المدينة وصاروا أهل العلم وأهل الكتاب ، وأهل الثراء وأهل المال ، وأهل بنايةٍ للحصون ، وحين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد معهم معاهدة . فالذي دخل منهم في الإِيمان استحق معاملة المؤمنين ، فلهم ما لهم وعليهم وما عليهم ، والحق قد قال: {وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]
وقلنا إن هذه تسمى صيانة الاحتمال لمن يفكرون في الإِيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك} . و"دون"أي غير ، فالمقابل للصالحين هم المفسدون . أو منهم الصالحون في القمة ، ومنهم من هم أقل صلاحاً . فهناك أناس يأخذون الأحسن ، وأناس يأخذون الحسن فقط .
ويتابع الحق سبحانه: {... وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]