إنَ مهمة الشر في الوجود أنه يجمع عناصر الخير في الوجود ومهمة الباطل في الوجود أنه يحفز عناصر الحق ويحضهم على محاربة الشر ومناهضته ؛ لأن الباطل حين يعم ، ويتضايق منه الناس ، ترفع يدها وتقول: يا ناس افعلوا الخير . ولو لم يحدث ذلك فلن تجد من يقبل على الخير بحمية وحرارة . وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب .
(ويسوم) من مادتها سام ، ونسمعها في البهائم ونسميها السائمة وهي التي تطلب مقومات حياتها ، وليس صاحبها هو الذي يجهز لها مقومات حياتها . أما البهائم التي تُرْبط وليست سائمة التي تجد من يجهز لها طعامها ، إذن أصل"سام"أي طلب ، وبهيمة سائمة أي تطلب رزقها وأكلها بنفسها .
و"سام"أيضاً أي طلب العذاب . ولا يطلب أحد العذاب إلا أن يكون قد أفرغ قوته في التعذيب . فيطلب ممن يقدر على العذاب أن يعذب ، أي أن الله يسلط ويبعث عليهم من يقوم بتعذيبهم جهد طاقته ، فإذا فترت طاقته أو ضعفت فإنه يستعين على تعذيبهم بغيره .
إذن فطلب العذاب معناه أنّه: عَذَّب هو ، ولم يكتف بأنه عذَّب بل طلب لهم عذاباً آخر ، و {يَسُومُهُمْ سواء العذاب} أي العذاب السيء الشديد . ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: {... إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيم} [الأعراف: 167]
ومعنى سرعة الشيء أن تأخذه زمناً أقل مما يتوقع له ؛ لن السرعة هي اختصار الزمن . {لَسَرِيعُ العقاب} هي للدنيا وللآخرة ، فساعة يقترفون ذنباً . يسلط عليهم من يعذبهم في الدنيا ، أما الآخرة ففيها سرعة عالية ؛ لأن مسافة كل إنسان إلى العذاب ليست هي عمر الدنيا ، فالإِنسان بمجرد أن يموت تنتهي الدنيا بالنسبة له . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته".