وله شاهد آخر من حديث بشر هذا أيضاً:
"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ لَنَا جِيرَاناً لا يَدَعُونَ لَنَا شَاذّةً ، وَلا فَاذّةً إلا أَخَذُوهَا فإِذَا قَدَرْنَا لَهُمْ عَلَى شَئ أَنأْخُذُهُ؟ فَقَالَ: أَدِّ الأمَانَة إلى مَنِ ائْتَمَنكَ وَلا تخُنْ مَنْ خَانَك".
ذكره شيخنا فِي كتاب إبطال التحليل.
فهذه الآثار ، مع تعدد طرقها واختلاف مخارجها ، يشد بعضها بعضاً ، ولا يشبه الأخذ فيها الأخذ فِي الموضعين اللذين أباح رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيهما الأخذ لظهور سبب الحق ، فلا يُنسب الآخذ إلى الخيانة ، ولا يتطرق إليه تهمة ، ولتعسر الشكوى فِي ذلك إلى الحاكم ، وإثبات الحق والمطالبة به والذين جوزوه يقولون: إذا أخذ قدر حقه من غير زيادة ، لم يكن ذلك خيانة ، فإن الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه ، وهذا ضعيف جداً ، فإنه يبطل فائدة الحديث. فإنه قال:"ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ"فجعل مقابلته له خيانة ، ونهاه عنها ، فالحديث نص ، بعد صحته.
فإن قيل: فهلا جعلتموه مستوفياً لحقه بنفسه ، إذ عجز عن استيفائه بالحاكم ، كالمغصوب ماله. إذا رآه فِي يد الغاصب ، وقدر على أخذه منه قهراً؟ فهل تقولون: إنه لا يحل له أخذ عين ماله ، وهو يشاهده فِي يد الظالم المعتدى؟ ولا يحل له إخراجه من داره وأرضه؟.
وكذلك إذا غصب زوجته وحال بينه وبينها ، وعقد عليها ظاهراً ، بحيث لا يتهم فهل يحرم على الزوج الأول انتزاع زوجته منه ، خشية التهمة؟ وهذا لا تقولونه أنتم ، ولا أحد من أهل
العلم.
ولهذا قال الشافعى ، وقد ذكر حديث هِنْدٍ: وإذ قد دلت السنة وإجماع كثير من أهل العلم على أن يأخذ الرجل حقه لنفسه سراً ، فقد دل أن ذلك ليس بخيانة. إذ الخيانة أخذ ما لا يحل له أخذه.
فالجواب: أنا نقول ، يجوز له أن يستوفى قدر حقه ، لكن بطريق مباح ، فأما بخيانة وطريق محرمة فلا.