ومن المعلوم أن الربا لم يحرم لمجرد صورته ولفظه ، وإنما حرم لحقيقته ومعناه ومقصوده ، وتلك الحقيقة والمعنى والمقصود قائمة فِي الحيل الربوية كقيامها فِي صريحه سواء ، والمتعاقدان يعلمان ذلك من أنفسهما ويعلمه من شاهد حالهما ، والله يعلم أن قصدهما نفس الربا ، وإنما توسلاً إليه بعقد غير مقصود وسمياه باسم مستعار غير اسمه. ومعلوم أن هذا لا يدفع التحريم ولا يرفع المفسدة التي حرم الربا لأجلها ، بل يزيدها قوة وتأكيدا من وجوه عديدة.
منها: أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج بقوة لا يقدم بمثلها المربى صريحاً ، لأنه واثق بصورة العقد واسمه.
ومنها: أنه يطالبه مطالبه معتقد حل تلك الزيادة وطيبها بخلاف مطالبه المربى صريحا.
ومنها: اعتقاده أن ذلك تجارة حاضرة مدارة. والنفوس أرغب شيء فِي التجارة ، فهو فِي ذلك بمنزلة من أحب امرأة حباً شديداً ويمنعه من وصالها كونها محرمة عليه. فاحتال إلى أن أوقع بينه وبينها صورة عقد لا حقيقة له ، يأمن به من بشاعة الحرام وشناعته ، فصار
يأتيها آمنا. وهما يعلمان فِي الباطن أنها ليست زوجته ، وإنما أظهرا صورة عقد يتوصلان بها إلى الغرض.
ومن المعلوم أن هذا يزيد المفسدة التي حرم الحكيم الخبير لأجلها الربا قوة فإن الله سبحانه وتعالى حرم الربا لما فيه من ضرر المحتاج ، وتعريضه للفقر الدائم. والدين اللازم الذي لا ينفك عنه. وتولد ذلك وزيادته إلى غاية تجتاحه وتسلبه متاعه وأثاثه كما هو الواقع فِي الواقع.
فالربا أخو القمار الذي يجعل المقمور سليبا حزينا محسوراً.