"أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون". وهكذا طوى القدر صفحة العرب العاربة ومن لف لفها. ثم نقل الرسالات إلى الشعبة الثانية من الجنس السامى... إلى بني إسرائيل قال تعالى:"ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين". وكان أولاد يعقوب - الملقب بإسرائيل - يعيشون عيشة البدو فِي صحراء الشام ، ثم استدعاهم يوسف فسكنوا مصر ، وهناك تناسلوا وزادت أعدادهم. ورفضوا الذوبان فِي الشعب المصرى ، وانفردوا بعقائدهم وتقاليدهم ، ونشب بينهم وبين المصريين خصام شديد ، واستذلهم الفراعنة وأنزلوا بهم مآسى موجعة. حتى شاء الله فأنقذهم على يدي موسى بعد مراحل متطاولة قال لهم موسى خلالها:"عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون". والكلمة ناضحة بما كان يخافه موسى من قومه. وقد كان صادق الحدس فِي سوء ظنه بهم. فإنهم بعد نجاتهم من المظالم التي قصمت ظهورهم ، بفضل الله وحده ، كان أول ما صنعوه النزوع إلى عبادة الأصنام"وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون". والغريب أن حنينهم إلى الوثنية سيطر على أفكارهم وأعصابهم فما كاد موسى يذهب لمناجاة ربه حتى اتخذوا من حليهم عجلا جسدا ، ليعبدوه من دون الله. وفى هذا الصنيع يقول الله تعالى"إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين". والحق أن جمهرة كبرى من اليهود كان إيمانها مغشوشا ، وكانت شهواتهم تغلب عليهم. وكانوا يحتالون على الله فِي التنفيس عنها ، فإذا حرم عليهم الصيد يوم السبت ، ورأوا السمك كثيرا فِي الماء صنعوا وراءه حاجزا يمنعه من الهرب ، ثم جاءوا يوم الأحد وأخذوه.