اعلم أن الحياة والموت لفظتان مشتركتان مستعملتان في اللغة العربية على ثلاثة عشر وجها أحدها الوجود والعدم والثاني مقارنة النفس الحيوانية الأجسام ومفارقتها اياها والثالث العز والذل والرابع الغنى والفقر والخامس الهدى والضلال والسادس الجهل والعلم والسابع الحركة والسكون والثامن الخصب والجدب والتاسع اليقظة والنوم والعاشر اشتعال النار وخمودها والحادي عشر المحبة والبغضاء والثاني عشر الرطوبة اليبس والثالث عشر الرجاء والخوف17أ ونحن نورد على كل وجه من هذه الوجوه أمثلة تشهد بصحة ما قلناه إن شاء الله تعالى
أما الحياة والموت المراد بهما مقارنة النفوس للأجسام ومفارقتها اياها فشهرتهما تغني عن ايراد مثال لهما
أما الوجود والعدم فكقولهم للشمس ما دامت موجودة حية فإذا عدمت سموها ميتة قال ذو الرمة ...
فلما رأين الليل والشمس حية ...
حياة الذي يقضي حشاشة نازع ...
شبه الشمس عند غروبها بالحي الذي يجود بنفسه عند الموت وهو من التشبيه البديع
وقال آخر ...
إذا شئت أداني صروم مشيع ...
معي وعقام تتقي الفحل مقلت
يطوف بها من جانبيها ويتقي ...
بها الشمس حي في الأكارع ميت ...
يريد ظلها في نصف النهار أراد أنه موجود في الأكارع معدوم من سائر الجسم
وأما العز والذل والغنى والفقر فنحو ما قدمناه من حديث
موسى عليه السلام ونحو ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله من سره النسأ في الأجل والسعة في الرزق فليصل رحمه ومنه قول الشاعر ...
ليس من مات فاستراح بميت ...
انما الميت ميت الأحياء
انما الميت من يعيش كئيبا ...
كاسفا باله قليل الرجاء ...
وقال آخر ...
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ...
بأفعالنا ان الثناء هو الخلد ...
وقال آخر ...
وكان أبو عمرو معارا حياته ...
بعمرو فلما مات مات أبو عمرو ...
يقول كان ابنه عمرو يحيي ذكره فكأنه حي فلما مات انقطع ذكره فكأنه انما مات حينئذ