وقد تقول العرب جاء فلان إذا جاء كتابه أو وصيته ويقولون للرجل أنت ضربت زيدا وهو لم يضربه إذا كان قد رضي بذلك وشايع عليه قال الله تعالى فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين المخاطبون بها لم يقتلوا نبيا ولكنهم لما رضوا بذلك وتولوا قتلة الأنبياء وشايعوهم على فعلهم نسب الفعل إليهم وان كانوا لم يباشروه وعلى هذا يتأول قوله تعالى فأتى الله بنيانهم من القواعد
فهذا تأويل كما تراه صحيح جار على فصيح كلام العرب في محاوراتها والمتعارف من أساليبها ومخاطباتها وهو شرح 10أ ما أراده مالك والأوزاعي رحمهما الله ومما يقوي هذا التأويل ويشهد
بصحته أن بعض أهل الحديث رواه ينزل بضم الياء وهذا واضح
والتأويل الثاني أن العرب تستعمل النزول على وجهين أحدهما حقيقة والآخر مجاز واستعارة
فأما الحقيقة فانحدار الشيء من علو إلى سفل كقوله تعالى وينزل من السماء من جبال فيها من برد
وكقول امرئ القيس ...
هو المنزل الألاف من جو ناعط ...
بني أسد حزنا من الأرض اوعرا ...
وأما الاستعارة والمجاز فعلى أربعة أوجه
أحدها الإقبال على الشيء بعد الأعراض عنه والمقاربة بعد المباعدة يقال نزل البائع في سلعته إذا قارب المشتري فيها بعد
مباعدته وأمكنه منها بعد منعه ويقال نزل فلان عن أهله أي تركها وأقبل على غيرها ومنه قول الشاعر ...
أنزلني الدهر على حكمه ...
من شاهق عال إلى خفض ...
أي جعلني أقارب من كنت أباعده وأقبل على من كنت أعرض عنه
فيكون معنى الحديث على هذا أن العبد في هذا الوقت أقرب إلى رحمة الله منه في غيره من الأوقاب وأن البارئ سبحانه وتعالى يقبل على عباده بالتحنن والتعطف في هذا الوقت لما يلقيه في قلوبهم من التنبيه والتذكير الباعثين لهم على الطاعة والجد في العمل فهذا تأويل أيضا ممكن صحيح
فأما الأقسام الباقية من معنى النزول فلا مدخل لها في هذا الحديث وإنما نذكرها لتوفية معنى النزول ولأنها مما يحتاج إليه في غير هذا الحديث