والمعنى أيضا يشهد لكل واحد من القولين لأن العرب تقول لك بياض الأرض وسوادها يعنون بالبياض ما لا عمارة فيه وبالسواد ما فيه العمارة فهذا ما يحتج به لمن ذهب إلى معنى البياض
ومن ذهب إلى معنى السواد فانما أراد أنها احترقت بريح صر أو نار كقوله تعالى فأصابها اعصار فيه نار فاحترقت
ومن هذا النوع قول أبي بكر رضي الله عنه طوبى لمن مات في النأنأة فإنه يحتمل أن يريد أول الإسلام عند قوة البصائر قبل وقوع الخلاف ويحتمل أنه يريد به آخر الإسلام إذا ضعفت البصائر وكثرت البدع والخلاف
ويدل على صحة المعنيين جميعا قوله صلى الله عليه وسلم ان الأسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء
والنأنأة عند العرب الضعف لا يخص الصغر دون الكبر
قال امرؤ القيس في ذلك ...
لعمرك ما سعد بخلة آثم ...
ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر ...
وتأوله أبو عبيد على أنه أراد به أول الأسلام وليس في لفظ الحديث ما يقتضي ذلك على أن بعض الرواة قد روى في النأنأة الأولى فإن كان هذا محفوظا فالقول ما قال أبو عبيد
ومن هذا النوع قوله صلى الله عليه وسلم قصوا الشوارب وأعفوا اللحى
قال قوم معناه وفروا وكثروا وقال آخرون قصروا وانقصوا وكلا القولين له شاهد من اللغة
أما من ذهب إلى التكثير فحجته قوله تعالى حتى عفوا وقول جرير ...
ولكنا نعض السيف منها ...
بأسوق عافيات اللحم كوم ...
طزك ...
وأما من ذهب إلى الحذف والتقصير فحجته قول زهير ...
تحمل أهلها منها فبانوا ...
على آثار من ذهب العفاء ...
فهذه جملة من اللفظ المشترك الواقع على معان مختلفة متضادة