وليس غرضي من كتابي هذا أن أتكلم في الأسباب التي أوجبت الخلاف الأعظم بين من سلف وخلف من الأمم وإنما غرضي أن أذكر الأسباب التي أوجبت الخلاف بين أهل ملتنا الحنيفية التي جعلنا الله تعالى من أهلها وهدانا إلى واضح سبلها حتى صار من فقهائهم المالكي والشافعي والحنفي والأوزاعي ومن ذوي مقالاتهم
الجبري والقدري والمشبه والجهمي ومن شيعهم
الزيدي والرافضي والسبئي والغرابي والمخمس والمحمدي وغير هؤلاء من الفرق الثلاث والسبعين التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا غرضي أيضا أن أحصر أصناف المذاهب والآراء وأناقض ذوي البدع المضللة والأهواء لأن هذا الفن من العلم قد سبق إليه ونبه في مواضع كثيرة عليه وإنما غرضي أن أنبه على المواضع التي منها نشأ الخلاف بين العلماء حتى تباينوا في المذاهب والآراء
وأنا أسترشد الله تعالى إلى سبيل الحق وأستهديه وأسأله العون على ما أحاوله وأنويه وأرغب إليه أن يعصمني من الزلل فيما أقوله وأحكيه وإنه ولي الطول ومسديه لا رب سواه ولا معبود حاشاه
ذكر الأسباب الموجبة للخلاف كم هي
أقول وبالله أعتصم واليه أفوض في جميع أمري وأسلم ان الخلاف عرض لأهل ملتنا من ثمانية أوجه كل ضرب من الخلاف متولد منها متفرع عنها
الأول منها اشتراك الألفاظ والمعاني
والثاني الحقيقة والمجاز
والثالث الإفراد والتركيب
والرابع الخصوص والعموم
والخامس الرواية والنقل
والسادس الاجتهاد فيما لا نص فيه
والسابع الناسخ والمنسوخ
والثامن الإباحة والتوسع
ونحن نذكر من كل نوع من هذه الأنواع أمثلة تنبه قارئ كتابنا هذا على بقيتها إذ كان استيفاء جميع ذلك من المتعذر على من حاوله وبالله التوفيق لا رب غيره
الباب الأول
في الخلاف العارض من جهة اشتراك الألفاظ واحتمالها للتأويلات الكثيرة
هذا الباب ينقسم ثلاثة أقسام
أحدها اشتراك في موضوع اللفظة المفردة
والثاني اشتراك في أحوالها التي تعرض لها من إعراب وغيره