لِلْأُمَّةِ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ أُخُوَّةِ الْإِيمَانِ فَتُصْبِحُ أُمَمًا مُتَعَادِيَةً لَيْسَ لَهَا مَرْجِعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ يَجْمَعُ كَلِمَتَهَا فَيَحِلُّ بِهَا مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الَّتِي تَفَرَّقَتْ قَبْلَهَا ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ (فَرَّقُوا دِينَهُمْ) مِنَ التَّفْرِيقِ وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ أَجْزَاءِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَجَعْلُهُ فِرَقًا وَأَبْعَاضًا . وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ (فَارَقُوا) مِنَ الْمُفَارَقَةِ لِلشَّيْءِ وَهُوَ تَرْكُهُ وَالِانْفِصَالُ مِنْهُ ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ عَنْ عَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، وَهِيَ تُفِيدُ أَنَّ تَفْرِيقَ الدِّينِ قَدْ يَسْتَلْزِمُ مُفَارَقَتَهُ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ . فَمِنَ التَّفْرِيقِ الْإِيمَانُ بِبَعْضِ الْكِتَابِ دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ بِالتَّأْوِيلِ وَتَرْكِ الْعَمَلِ ، وَالْكُفْرُ بِالْبَعْضِ كَالْكُفْرِ بِالْجَمِيعِ مُفَارَقَةً لِلدَّيْنِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) (2: 85) الْآيَةَ وَمِثْلُهُ الْإِيمَانُ بِبَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ . عَلَى أَنَّ الْمُفَارَقَةَ قَدْ تَكُونُ لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي تُقِيمُ الدِّينَ لِأَصْلِ الدِّينِ بِجُحُودِهِ وَالْكُفْرِ بِهِ أَوْ تَأْوِيلِ هِدَايَتِهِ . وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ .
ذَهَبَ بَعْضُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ إِذْ فَرَّقُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ