قَدْ كَانَتْ خَاتِمَةُ مَا وَصَّى اللهُ تَعَالَى بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى لِسَانِ خَاتَمِ رُسُلِهِ آنِفًا الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ ، وَالنَّهْيَ عَنِ اتِّبَاعِ غَيْرِهِ مِنَ السُّبُلِ . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ تِلْكَ الْوَصَايَا شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ الْمُشَابِهَةَ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ وَوَصَايَاهُ ، بِمَا عُلِمَ بِهِ أَنَّ هَذِهِ أَكْمَلُ ، لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ إِنَّمَا تَكْمُلُ بِخَوَاتِيمِهَا . وَقَفَّى عَلَى ذَلِكَ بِالْمُقَارِنَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْعَرَبِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْقُرْآنِ ، مُذَكِّرًا إِيَّاهُمْ بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ أَقْوَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اسْتِعْدَادًا لِلْهِدَايَةِ ، مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَسَى أَنْ يَثُوبَ الْمُسْتَعِدُّونَ لِلْإِيمَانِ إِلَى رَشَادِهِمْ ، وَيُفَكِّرَ الْمُعَانِدُونَ فِي عَاقِبَةِ عِنَادِهِمْ ، وَتَلَا ذَلِكَ تَذْكِيرُهُ لَهُمْ وَلِسَائِرِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ بِمَا يُنْتَظَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِكُلٍّ مِنَ الْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ ، وَلَمَّا تَمَّتْ بِذَلِكَ الْحُجَّةُ ، وَوَضَحَتِ الْمَحَجَّةُ ، ذَكَّرَ - تَعَالَى جَدُّهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ - هَذِهِ الْأُمَّةَ بِمَا هِيَ عُرْضَةٌ لَهُ بِحَسَبِ سُنَنِ الِاجْتِمَاعِ مِنْ إِضَاعَةِ الدِّينِ بَعْدَ الِاهْتِدَاءِ بِهِ ، بِمِثْلِ مَا أَضَاعَهُ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ وَالتَّفَرُّقُ فِيهِ بِالْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي تَجْعَلُهُمْ أَحْزَابًا وَشِيَعًا ، تَتَعَصَّبُ كُلٌّ مِنْهَا لِمَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ أَوْ إِمَامٍ فَيَضِيعُ الْعِلْمُ وَتَنْفَصِمُ عُرْوَةُ الْوَحْدَةِ