155 -وبعد أن وصف التوراة بتلك الصفات وصف القرآن الكريم، فقال: {وَهذا} القرآن الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه {كِتابٌ} عظيم شأنه {أَنْزَلْناهُ} على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة الروح الأمين، كما أنزلنا الكتاب على موسى {مُبارَكٌ} ؛ أي: كثير الخير دينا ودنيا جامع لأسباب الهداية الدائمة، وجاء بأكثر مما في كتاب موسى من تفصيل لهدى البشر في معاشهم ومعادهم {فَاتَّبِعُوهُ} ؛ أي: فاتبعوا يا أهل مكة ما هداكم إليه {وَاتَّقُوا} ما نهاكم عنه وحذركموه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ؛ أي: لتكون رحمته مرجوة لكم في الدنيا والآخرة إن قبلتموه ولم تخالفوه. والمعنى: هذا القرآن العظيم كتاب أنزلناه من اللوح المحفوظ ليلة القدر إلى سماء الدنيا في بيت العزة، ثم نزل مفرقا على حسب الوقائع مبارك كثير الخير والمنافع في الدنيا بالشفاء به، والأمن من الخسف والمسخ والضلال، وفي الآخرة بتلقي السؤال عن صاحبه وشهادته له وكونه ظلّة على رأسه في حر الموقف والرقي إلى الدرجات العلا.
وقال التبريزي: في الكلام إشارة، وهو وصف الله التوراة بالتمام، والتمام يؤذن بالانصرام، قال الشاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
فنسخها الله بالقرآن ودينها بالإسلام، ووصف القرآن بأنه مبارك في مواضع كثيرة، والمبارك هو الثابت الدائم في ازدياد، وذلك مشعر ببقائه ودوامه.