ولم يحضر أحد منا لحظة الخلق ، ولكنا نشهد الموت وهو نقض للحياة ، ونقض الشيء يكون على عكس بنائه . ونرى من يهدمون بناء يبدأون بهدم آخر ما تم بناؤه وتركيبه ، فيخلعون الزجاج أولاً وهو آخر ما تم تركيبه ، ثم الأخشاب ، ثم الأحجار ، كذلك نقض الحياة بالموت . تخرج روح الإنسان أولاً ثم بعد ذلك ييبس ويجف ليصير صلصالاً كالفخار ثم حمأ مسنوناً أي يصيبه النتن والعفن ثم يتبخر منه الماء فيصير تراباً . ولذلك نحن نصدق الذي خلقنا في أمر خلقنا ونصدقه في أمر السماوات والأرض ، وعندما يقول قائل بغير ذلك ، نقول له كما أخبر القرآن الكريم: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً} [الكهف: 51] .
ويخبرنا الحق هنا بقضية الرجل: {ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ} ولا أحد فينا يعلم أجله مهما عرض نفسه على الأطباء ، والأجل الأول هو الأجل المحدد لكل منا ، والأجل المسمى عنده هو زمن البرزخ ومن بعده نبعث من قبورنا ، ولذلك قال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} [الأعراف: 187] .
وقد يعرف الأنسان مجيء مقدمات نهايته واقتراب موته بواسطة ما كشف الله عنه من أسراره بواسطة تقدم العلماء .
فليس هذا من الغيب وفي بعض الحالات يصح هذا المريض ويشفى ويبرأ ، ويقولون: قد حدثت معجزة ، أما الأجل المسمى فلا نستطيع أن نعرفه ، وحدد الحق سبحانه ذلك في خمس مسائل: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] .