فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى إلَى أَنَّهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ ، وَأَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ ؛ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ شُرَيْحٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْأَوْزَاعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَعُبَيْدَةَ وَشُرَيْحٍ وَالشَّعْبِيِّ: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} : (مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ) .
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ: (مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ) فَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهَا عَلَى الْيَمِينِ دُونَ الشَّهَادَةِ الَّتِي تُقَامُ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، فَقَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ ، وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ قَدْ تُسَمَّى شَهَادَةٌ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ} لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا أُطْلِقَتْ
فَهِيَ الشَّهَادَةُ الْمُتَعَارِفَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا} {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} كُلُّ ذَلِكَ قَدْ عُقِلَ بِهِ الشَّهَادَاتُ عَلَى الْحُقُوقِ لَا الْأَيْمَانُ ؛ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} الْمَفْهُومُ فِيهِ الشَّهَادَةُ الْمُتَعَارَفَةُ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ} وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَيْمَانَ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ لِأَنَّ حَالَ الْمَوْتِ لَيْسَ حَالًا لِلْأَيْمَانِ.