وَأَمَّا الْمَلِيحُ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ مِنْهُ مُلِّحَ بَعْدَ الِاصْطِيَادِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} فَلَا وَجْهَ لِتَكْرِيرِهِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَقَدْ أَعْلَمَ عِبَادَهُ تَعَالَى إِحْلَالَهُ مَا صِيدَ مِنَ الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} ، فَلَا فَائِدَةَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَلِيحُهُ الَّذِي صِيدَ حَلَالٌ لَكُمْ، لِأَنَّ مَا صِيدَ مِنْهُ فَقَدْ بَيَّنَ تَحْلِيلَهُ طَرِيًّا كَانَ أَوْ مَلِيحًا بِقَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} ، وَاللَّهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يَفِيدُهُمُ بِهِ فَائِدَةً.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا خَبَرٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ نَقَلَتِهِ يَقِفُ.
بِهِ عَلَى نَاقِلِهِ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي قَوْلِهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} قَالَ:"طَعَامُهُ: مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا"
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: مَتَاعًا لَكُمْ مَنْفَعَةً لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُقِيمًا أَوْ حَاضِرًا فِي بَلَدِهِ يَسْتَمْتِعُ بِأَكْلِهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَلِلسَّيَّارَةِ يَقُولُ: وَمَنْفَعَةٌ أَيْضًا وَمُتْعَةٌ لِلسَّائِرِينَ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ، وَمُسَافِرِينَ يَتَزَوَّدُونَهُ فِي سَفَرِهِمْ مَلِيحًا.
وَالسَّيَّارَةُ: جَمْعُ سَيَّارٍ
عَنْ قَتَادَةَ: {وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} : «مَمْلُوحُ السَّمَكِ مَا يَتَزَوَّدُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ»
عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَلِلسَّيَّارَةِ} ، قَالَ: «هُمُ الْمُحْرِمُونَ»
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {مَتَاعًا لَكُمْ} قَالَ:"لِأَهْلِ الْقُرَى، {وَلِلسَّيَّارَةِ} قَالَ: أَهْلُ الْأَمْصَارِ وَأَجْنَاسُ النَّاسِ كُلِّهِمْ"
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّ السَّيَّارَةَ هُمْ أَهْلُ الْأَمْصَارِ لَا وَجْهَ لَهُ مَفْهُومٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ هُمْ أَهْلُ الْأَمْصَارِ: هُمُ الْمُسَافِرُونَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، فَيَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ كُلُّ سَيَّارَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، فَأَمَّا السَّيَّارَةُ فَلَا يَشْمَلُ الْمُقِيمِينَ فِي أَمْصَارِهِمْ