وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم: أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وتبعهم في ذلك جمع من التابعين، واختاره أحمد بن حنبل وقال:
شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين، كلهم يقولون:
«منكم» من المؤمنين. ومعنى مِنْ غَيْرِكُمْ يعني الكفار.
القول الثاني: أن قوله - سبحانه - أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ منسوخ وهذا قول زيد بن أسلم والنخعي ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء.
واحتجوا بقوله - تعالى - مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ وبقوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل وأن فيها مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ فهو ناسخ لذلك، ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب. وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.
قال القرطبي: قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع وجود مسلم فلا.
ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل، وقد قال بالأولى ثلاثة من الصحابة ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم.
ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما:
إنه لا منسوخ فيها، وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه ينافي الجمع بينهما مع تراخى الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا، فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة، ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات.
القول الثالث: أن الآية لا نسخ فيها. قاله الزهري والحسن وعكرمة، ويكون معنى قوله منكم أي من عشيرتكم وقرابتكم .. ومعنى أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي: من غير القرابة والعشيرة.