{وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ} ؛ أي: وكذلك جعل الله سبحانه وتعالى الأشهر الحرم قيامًا للناس، والمراد بالشهر الحرام: الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة: ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجب؛ أي: سببًا لحصول مصالحهم وأمنًا في معاشهم وحياتهم؛ لأن العرب كان يقتل بعضهم بعضًا، ويغير بعضهم على بعض في سائر الأشهر حتى إذا استهل الشهر الحرام .. زال الخوف، وقدروا على الأسفار والتجارات، وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم، وكانوا يحصلون فيه من الأقوات ما يكفيهم طول العام، ولولاه لتفانوا من الجوع والشدة {و} كذلك جعل الله سبحانه وتعالى {الهدْي} سببًا لقيام الناس ومصالحهم، وهو ما يهدى إلى الحرم ويذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكينه، فيكون ذلك نسكًا للمُهدي وقوامًا لمعيشة الفقراء {و} كذلك جعل الله سبحانه وتعالى {القلائد} قيامًا للناس، وسببًا لمصالحهم، وهي ما يتخذ من لحاء شجر الحرم، فيعلق في عنق الإبل مثلًا؛ ليعلم أنه هدي للحرم، أو يعلّقه الشخص في عنقه؛ ليأمن من العدو؛ إذ أن من قصد البيت في الشهر الحرام .. لم يتعرض له أحد، ومن قصده في غير الشهر الحرام، ومعه هدي، وقلده، وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم .. لم يتعرض له أحد؛ لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت، فكل من قصده أو تقرب إليه .. صار آمنًا من جميع الآفات والمخاوف.
ولما كانت الكعبة موضعًا مخصوصًا لا يصل إليه كل خائف .. جعل الله الأشهر الحرم والهدْي والقلائد قيامًا للناس كالكعبة {ذَلَكَ} الجعل المذكور والتدبير اللطيف {لِتَعْلَمُوا} ؛ أي: لأجل أن تتفكروا فيه أيها المؤمنون وتعلموا {أَنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ؛ أي: يعلم مصالح ما في السماوات وما في الأرض الدينية والدنيوية، يعني: أنه تعالى علم في الأزل بمصالح العباد وما يحتاجون إليه، فجعل الكعبة البيت الحرام، والشهر الحرام، والهدْي، والقلائد يأمنون بها؛ لأنه يعلم مصالح العباد كما يعلم تفاصيل ما في السماوات وما في الأرض. وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تعميم بعد تخصيص؛ أي: وكيف لا يعلم ذلك، وأن علمه محيط بكل شيء فلا تخفى عليه خافية.