و {البيت الحرام} بدل من {الكعبة} أو عطف بيان منه؛ أي: أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه الكعبة التي هي بيت الله الحرام {قِيَامًا لِلنَّاسِ} ؛ أي: أمنًا وسببًا لحصول مصالح الناس ومنافعهم في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم. أمَّا في أمر الدين: فإنه بها يقوم الحج وتتم المناسك، وضوعفت الحسنات فيها، وأما في أمر الدنيا: فإن مكة بلدة لا ضرع فيها، ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاج إليه أهلها، فجعل الله الكعبة معظمة في قلوب الناس يرغب الناس جميعًا في زيارتها والسفر إليها من كل فج عميقٍ لأداء المناسك، وللتجارة، فصار ذلك سببًا في إسباغ النعم على أهل مكة إجابةً لدعوة إبراهيم عليه السلام، وكان العرب يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم .. لم يتعرض له، ولو جنى أعظم الجنايات كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} فصار أهل مكة آمنين على أنفسهم وأموالهم، كما أنهم صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته، والسادة المعظمين إلى يوم القيامة. وأما في أمر آخرتهم: فإن البيت جُعل لقيام المناسك عنده، وجعلت تلك المناسك التي تقام عنده أسبابًا لعلو الدرجات، وتكفير الخطيئات، وزيادة الكرامات والمثوبات، فلما كانت الكعبة الشريفة سببًا لحصول هذه الأشياء .. كانت سببًا لقيام الناس.
وقرأ ابن عامر: {قِيَما} بغير ألف بوزن عِنَب، فإن كان أصله {قِيَامًا} بالألف، وحذفت فقيل: حكم هذا أن يجيء في الشعر، وإن كان مصدرًا على فِعَل .. كان قياسه أن تصح فيه الواو كعوض.
وقرأ الجحدري: {قيما} - بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة - وهو كسيد: اسم يدل على ثبوت الوصف من غير تقييد بزمان.