لقد ربى الله هذه الأمة بمنهج القرآن ، وقوامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى علم - سبحانه - أنها وصلت إلى المستوى الذي تؤتمن فيه على دين الله.. لا في نفوسها وضمائرها فحسب ، ولكن في حياتها ومعاشها في هذه الأرض ، بكل ما يضطرب في الحياة من رغبات ومطامع ، وأهواء ومشارب ، وتصادم بين المصالح ، وغلاب بين الأفراد والجماعات. ثم بعد ذلك في قوامتها على البشرية بكل ما لها من تبعات جسام في خضم الحياة العام.
لقد رباها بشتى التوجيهات ، وشتى المؤثرات ، وشتى الابتلاءات ، وشتى التشريعات ؛ وجعلها كلها حزمة واحدة تؤدي دوراً في النهاية واحداً ، هو إعداد هذه الأمة بعقيدتها وتصوراتها ، وبمشاعرها واستجاباتها ، وبسلوكها وأخلاقها ، وبشريعتها ونظامها ، لأن تقوم على دين الله في الأرض ، ولأن تتولى القوامة على البشر.. وحقق الله ما يريده بهذه الأمة.. والله غالب على أمره.. وقامت في واقع الحياة الأرضية تلك الصورة الوضيئة من دين الله.. حلماً يتمثل في واقع.. وتملك البشرية أن تترسمه في كل وقت حين تجاهد لبلوغه فيعينها الله..
بعد ذلك يتجه السياق إلى شيء من تربية الجماعة المسلمة وتوجيهها إلى الأدب الواجب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعدم سؤاله عما لم يخبرها به ؛ مما لو ظهر لساء السائل وأحرجه أو ترتب عليه تكاليف لا يطيقها ، أو ضيق عليه في أشياء وسع الله فيها ، أو تركها بلا تحديد رحمة بعباده.
{يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم. وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم. عفا الله عنها والله غفور حليم. قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} ..