تَكَلَّمْتُ فِيهَا بِرَأْيِي سَوْطًا عَلَى أَنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَى السِّيَاطِ ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فَهُنَا مَالِكٌ يَنْهَى عَنِ التَّقْلِيدِ ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (وَأَحْمَدُ) وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَدْ رَوَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَنْهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ .
وَقَدْ ذَكَرْتُ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمُصَرِّحَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّقْلِيدِ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتُهَا (الْقُولَ الْمُفِيدَ فِي حُكْمِ التَّقْلِيدِ) فَلَا نُطَوِّلُ الْمَقَامَ بِذِكْرِ ذَلِكَ; وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعًا فَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ
الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدِّ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَمْوَاتِ ، وَكَذَلِكَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ عَمَلَ الْمُجْتَهِدِ بِرَأْيِهِ إِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ . فَهَذَانِ الْإِجْمَاعَانِ يَجْتَثَّانِ التَّقْلِيدَ مِنْ أَصْلِهِ ، فَالْعَجَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ حَيْثُ لَمْ يَحْكُوا هَذَا الْقَوْلَ إِلَا عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ . وَقَابَلَ مَذْهَبَ الْقَائِلِينَ بَعْدَ الْجَوَازِ بَعْضُ الْحَشْوِيَّةِ ، وَقَالَ: يَجِبُ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ النَّظَرُ ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَقْنَعُوا بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ حَتَّى أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ فَإِنَّ التَّقْلِيدَ جَهْلٌ وَلَيْسَ بِعِلْمٍ .